سيد محمد طنطاوي

93

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

* ( قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّه شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّه ومَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ) * . أي : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء النصارى الذين قالوا : * ( إِنَّ اللَّه هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ) * ، قل لهم على سبيل الإنكار والتوبيخ والتجهيل : من ذا الذي يملك من أمر اللَّه وإرادته شيئا يدفع به الهلاك عن المسيح وعن أمه وعن سائر أهل الأرض ، إن أراد اللَّه - سبحانه - أن يهلكهم ويبيدهم ؟ لا شك أن أحدا لن يستطيع أن يمنع إرادته - سبحانه - لأنه هو المالك لأمر الوجود كله ، ولا يملك أحد من أمره شيئا يستطيع به أن يصرفه عن عمل يريده أو يحمله على أمر لا يريده ، أو يستقل بعمل دونه . وما دام الأمر كذلك فدعوى أن اللَّه هو المسيح ابن مريم ظاهرة البطلان ، لأن المسيح وأمه من مخلوقات اللَّه التي هي قابلة لطروء الهلاك والفناء عليها . وحاشا للمخلوق الفاني أن يكون إلها وإنما الألوهية للَّه الخالق الباقي أَلا لَه الْخَلْقُ والأَمْرُ ، تَبارَكَ اللَّه رَبُّ الْعالَمِينَ قال الإمام الرازي ما ملخصه : « احتج - سبحانه - على فساد ما ذهب إليه النصارى بقوله : * ( فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّه شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّه ومَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ) * . وهذه جملة شرطية قدم فيها الجزاء على الشرط . والتقدير : إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا فمن الذي يقدر على أن يدفعه عن مراده ومقدوره . وقوله * ( فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّه شَيْئاً ) * أي : فمن يملك من أفعال اللَّه شيئا والملك هو القدرة . يعنى فمن الذي يقدر على دفع شيء من أفعال اللَّه - تعالى - ومنع شيء من مراده . وقوله : * ( ومَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ) * يعنى : أن عيسى مشاكل لمن في الأرض في الصورة والخلقة والجسمية والتركيب وتغيير الصفات والأحوال ، فلما سلَّم كونه - تعالى - خالقا للكل مدبرا للكل وجب أن يكون أيضا خالقا لعيسى » « 1 » . وفي توجيه الأمر إلى الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم للرد عليهم تثبيت له وتقوية لحجته حتى يبطل قولهم الفاسد إبطالا يزداد معه المؤمنون إيمانا بالحق الذي آمنوا به . قال أبو السعود : وإنما نفيت المالكية المذكورة بالاستفهام الإنكارى عن أحد مع تحقيق الإلزام والتبكيت لا بنفيها عن المسيح فقط ، لتحقيق الحق بنفي الألوهية عن كل ما عداه - سبحانه - وإثبات المطلوب في ضمنه بالطريق البرهاني .

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 191 . طبعة عبد الرحمن محمد